السيد محمد حسين فضل الله
35
من وحي القرآن
وليس ذلك إلا ما ذكروه من قضية البلاغة والفصاحة . أما الأمور الأخرى ، فإنها قد تكون دليلا على الصدق ، لا مظهرا للإعجاز ، وقد تحدثنا قليلا عن ذلك في تفسير سورة البقرة ، أما الحديث عن تحدي كل البشر ، فهو أسلوب كنائيّ يريد الإيحاء بأن المسألة إلهيّة لا بشريّة . و « منها » عن رقم العشرة ، ما خصوصيته ؟ وما المراد منه ؟ وقد اختلف في ذلك دون الوصول إلى نتيجة حاسمة . ولعلّ أقرب هذه الوجوه إلى الصواب ما ذكره صاحب مجمع البيان ، في كتابه ، قال : « فإن قيل : لم ذكر التحدي مرّة بعشر سور ، ومرّة بسورة ، ومرّة بحديث مثله ؟ فالجواب : أن التحدي إنما يقع بما يظهر فيه الإعجاز من منظوم الكلام ، فيجوز أن يتحدى مرّة بالأقل ومرّة بالأكثر » « 1 » . وقد علّق على هذا صاحب الميزان بقوله : « أقول : وهو يصلح وجها لأصل التحدّي بالواحد والكثير ، وأما التحدي بالعشر بعد الواحدة ، ولا سيّما على ما يراه من كون إعجازه بالبلاغة فحسب ، فلا » « 2 » . ولكن من الممكن أن يكون مقصود صاحب مجمع البيان ، هو أن الرقم لا خصوصية له ، بل يذكر كنموذج للقلّة في التعبير بالواحد ، وقد يذكر كنموذج للكثرة في التعبير بالعشرة ، أو بغيرها في ما تعارف عند العرب من أساليب التعبير ، واللّه العالم . الألوهية قدرة مطلقة وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ما يمكن أن تواجهوا به القرآن ، من قدرة المحاكاة ، ممن تعتبرونهم شركاء اللّه ، فإن مستوى الشريك لا بد أن يكون مساويا في القدرة لمستوى شريكه في موضوع الألوهية ، التي
--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج : 5 ، ص : 222 . ( 2 ) تفسير الميزان ، ج : 10 ، ص : 157 . .